مقالات

الاستاذ :محمد بن سلمان يحيى العمري الفيفي

إعداد الشيخ :عبدالله بن علي قاسم آل طارش الفيفي ـ أبو جمال

الاستاذ :محمد بن سلمان يحيى العمري الفيفي

 الحلم والاناة صفتان متلازمتان، صاحبهما صبور لا يندفع خلف مشاعره وعواطفه، بل يحكم عقله ويضبط وجدانه، ويستطيع التعامل مع المواقف بما يناسبها من التصرفات المحمودة، فلا يستفزه الغضب ولا يسيطر عليه حب الانتقام، وهي من صفات الله سبحانه وتعالى، فالله (غفور حليم)، والله (غني حليم)، ووصف بها انبيائه ورسله، قال تعالى (أن ابراهيم لأواه حليم) ،

وعن شعيب عليه السلام قال تعالى (إنك لأنت الحليم الرشيد)، وعن اسحاق عليه السلام قال تعالى (فبشرناه بغلام حليم)، فالحلم من الخصال العظيمة والحميدة التي يريد الله من عباده أن يتخلقوا بها، فهي خصلة يحبها الله ورسوله، قال صلى الله عليه وسلم لأشج بن قيس رضي الله عنه (إن فيك لخصلتين يحبهما الله : الحلم والأناة)، فالحلم من اشرف الاخلاق والصفات،

والصقها بذوي العقول والقلوب المتعلقة بالله سبحانه وتعالى، قال صلى الله عليه وسلم (إنما العلم بالتعلم، والحلم بالتحلم ، ومن يتحرى الخير يعطه، ومن يتق الشر يوقه)، فالحلم لا يأتي إلا بتعويد النفس عليه، وتدريبها على الصبر والتخلق به، ليكون الانسان حليما محمودا.

 هذه صفات عالية محمودة، نجد كثيرا منها أو بعضها في الرجل، فنحبه ونتعلق به، وانما يتخلق بها المرء ويتعود عليها منذ نشأته الاولى، يقتبسها من والديه ومن محيطه الذي تربى فيه، حيث يجد فيهم القدوة والمثال، ويجد منهم من يؤطرها فيها، حتى تصبح له عادة وخلقا وجبلة، واننا نجدها ماثلة في صفات صاحب سيرتنا، فهو ذو خلق رفيع، وسمت وهدوء، وحسن تعامل، هكذا نحسبه والله حسيبه ومولاه، ولا نزكي على الله احد، زاده الله علما وحلما وادبا.

أنه الاستاذ :محمد بن سلمان يحيى العمري الفيفي حفظه الله ووفقه.

والده هو الشيخ سلمان بن يحيى ساري العمري الفيفي رحمه الله، المولود في عام 1352هـ ،في بيت قفعة غربي جبل العمريين بفيفاء، ولد بعد مقتل والده في مشاكل قبلية في تلك الفترة، فلم يعرف اباه نهائيا، ووجد أنه قد سُبق بثلاث بنات، فكان لهن الاخ الوحيد، تكفل بتربيته جده ساري بن حسن سليمان رحمه الله، الذي حرص على تربيته التربية الصالحة، فقام على الاهتمام بتعليمه القرآن الكريم، ومبادئ القراءة والكتابة، وتوفي جده رحمه الله وقد بلغ الخامسة عشرة، فاعتمد بعده على نفسه في كل اموره،

فكان يعمل في مزرعته، وفي رعايته اسرته، حيث امتهن حرفة الحراثة والبناء في مطلع شبابه، ومع افتتاح مدرسة نيد الضالع الابتدائية في عام 1395هـ، عمل موظف حراسة فيها، واستمر يعمل فيها إلى عام 1422هـ، وكذلك عمل مؤذنا في جامع نيد الضالع إلى وفاته رحمه الله، رجل اجتماعي له العديد من الادوار النافعة والايجابية، وشاعر شعبي متمكن ومبدع،

له مكانته واحترامه ومحبته بين الناس، تزوج في عام 1375هـ، ورزق بأحد عشر ولدا، ستة ابناء وخمس بنات، كان محمد اكبرهم، احسن تربيتهم وتعليمهم فكانوا على قدر كبير من النجاح والاخلاق، رحم الله من مات منهم وحفظ بحفظه الباقين، كان لهم قدوة في كل اموره، وفي تعاملاته والتزامه وكل حياته، يقول عنه : (تعلمت منه التواضع والصبر، والاعتماد على النفس، وصلة الرحم، ومعاودة زيارة الاقارب والمحارم، وزيارة المرضى في المستشفيات، والتواصل مع الاصدقاء، والسعي إلى اصلاح المشاكل بين الناس، واحترام الجيران، ومساعدة المحتاجين من الاقارب والجيران)،

وخلفه بعد موته في العمل على مواصلة ما كان يقوم به من اعمال البر، ومنها توزيع بعض الزكوات السنوية، التي كان يقدمها بعض المحسنين عن طريقه رحمه الله.

واما الوالدة فهي الفاضلة عافية بنت يحيى احمد العمري الفيفي رحمها الله، من اهل بيت المنهم، كانت منذ نشأتها الاولى على قدر كبير من التدين والوعي، فقامت على الاهتمام التام ببيتها، وبزوجها على اكمل وجه، وعلى تربية ابنائها والعناية بهم، فكانت تحرص على توجيههم الى الفضائل، وترعاهم وتحفظهم بغياب والدهم المتكرر، وتكمل كل قصور قد يعتريهم بسبب غيابه، تحثهم على المحافظة على الصلاة، وتعلمهم الالتزام بالترتيب والنظافة التامة، في البيت وفي الملبس وفي كل شؤونهم، وان يظهر الواحد منهم بالصورة اللائقة، والمظهر الحسن الجميل، رحمها الله وغفر لها وكتب اجرها.

ولد لهذين الفاضلين في عام 1379هـ، وترتيبه الأول بين الابناء، والثالث بين جميع الأولاد، ولد في بيت اللحج من بقعة اللحب غرب العمريين، وعاش حياة وطفولة طبيعية في تلك البيئة في ذلك الوقت، حيث كانت حياة الناس بسيطة ومحدودة، تدور في نطاق ضيق، في خليط ما بين الحرث والرعي، لا يتجاوز الواحد حدود مزرعته ومحيطه البسيط، فهي حياة فيها كثير من البساطة والالفة، في حدود الاسرة والجيران الاقربين، فعاش في جو طبيعي مثالي، خال من العقد والاشكالات، يقتبس من والديه مبادئ الاخلاق، وحسن التعامل والتربية الصحيحة.

التعليم :

ما إن بلغ السادسة أو قريب منها، حتى الحقه والده بـ (المعلامة)، القائمة في مسجد كرعان، القريب من بيتهم وفي محيط سكنهم، وكان القائم عليها المعلم الفاضل السيد ابراهيم بن عبدالله أحسن آل مشكاع العمري رحمه الله، فاقبل على دراسته المركزة على القران الكريم ومبادئ القراءة والكتابة، وكانت ادوات التعليم بسيطة، قائمة على الكتابة فيما يسمى باللوح (واللوح مصنوع من الخشب، المصقول والمصبوغ باللون الاسود، الذي يجمع من قتار دخان السرج،

ويكتب عليه بقلم من قصب الريع، والحبر يصنع من مادة النورة البيضاء)، ولا توجد مصاحف سوى مصحف واحد مع المعلم، يكتتب منه كل طالب مادة درسه اليومية، وتكون من عدد محدود من الآيات، يستطيع قراءتها في يومه، وتسمى (المعشر)،

فاذا ما حفظها وسمعها على المعلم،  مسحها من اللوح وهيئه لدرس آخر، واستمر على هذا النهج والمنوال إلى أن حفظ القران الكريم كاملًا، فيجمع الطالب بين قراءة القران واتقان الكتابة والقراءة،  ويذكر من زملائه في هذه المعلامة المحدودة، القاصرة على ابناء الجيران القريبين، كل من يحي بن محمد المخشمي، ويحي بن شبان العمري، ويحي بن حسن العمري وغيرهم، ولما اشتد عوده قليلا، وقد بلغ الحادية عشرة من عمره، في حوالي عام 1390هـ، طلب من والده أن يلحقه بمدرسة النفيعة الابتدائية، وكانت الوحيدة القائمة في جبال فيفاء،

وحفزه على ذلك رغم بعدها الشديد، عندما رأى بعض زملائه في المعلامة يتجهون لدراسة فيها، سعد والده كثيرا بطلبه هذا، ووافق له في الحال، بل واثنى على حسن توجهه، وفي نفس الوقت بادر إلى تسجيله، حيث انطلق معه إلى المدرسة، واكمل كل الاجراءات المطلوبة، ولم يبدأ العام الدراسي 1390/1391هـ، إلا وهو طالب منتظم في مدرسة النفيعة الابتدائية.

كانت تقع هذه المدرسة في النفيعة بجوار السوق الاسبوعي، في اعلى الجبل في مكان بعيد جدا عن منزلهم، حيث يلزمه ما يقارب الساعة سيرا مجهدا على الاقدام، وفي صعود متواصل لا يكاد ينتهي، كان ينطلق من بيتهم حاملا حقيبته وكتبه،

في الصباح الباكر قبل طلوع الشمس، وكان امامه مسلكان، كلاهما صعب، واحلاهما مر، أما عن طريق المشوه والخطم والجرنة والوجي والحشرة والنغوة أو مغر إلى النفيعة، يسيرون في حافة الذراع الممتد من فناء بيتهم، أو عن طريق متدرج نسبيا في بعض جوانبه، ولكنه اطول من السابق قليلا، يكون بيمين هذا الطريق من بعد المشوه، يأتي على حشيش، و(تالقة) جذيمة، الى وادي يناعن، إلى حبيل مبسط فالنغوة إلى النفيعة، وكانوا في الغالب يسيرون رفقة من اولاد الجيران،

في ذهابهم وغدوهم، ومع الوقت تعودوا على هذا المسير اليومي، حتى لم يعد يفكرون في بعده، ولا يرونه شاقا وصعبا، حيث يزيدهم تشوقهم إلى المدرسة، وفي التقائهم بزملائهم راحة وسعادة، وسارت بهم الايام والاسابيع والشهور، وتلتها الاعوام خلف الاعوام، ينجحون ويترقون في فصول المدرسة، يسعدون بما يحققونها في جو مفعم بالحيوية والنشاط،

ويذكر من معلمي تلك المدرسة في ذلك الزمن الجميل، كل من الاستاذ علي بن فرحان الخسافي مدير المدرسة، والاستاذ حسين بن جابر الخسافي، والاستاذ يحيى بن علي الابياتي، والاستاذ حسن بن سليمان المثيبي، والاستاذ صدقي المصري، والاستاذ صادق الفلسطيني، رحم الله من مات منهم وحفظ بحفظه الباقين، وما اسرع ما انطوت تلك الصفحة، بكل سلاسة وسهولة، ليتخرج من الصف السادس الابتدائي في نهاية العام الدراسي 1395/ 1396هـ، لتمتد نظرته للمستقبل ومراحله التالية بكل تشوق.

كانت المدرسة المتوسطة بالجوار، تقع في الطرف المقابل من سوق النفيعة، فالمدرستان الابتدائية والمتوسطة تحفان السوق من الجانبين الشرقي والغربي، ولا يذكر كيف سجل في هذه المدرسة، أو كيف تم نقل ملفه بين المدرستين، فقد كان امرا روتينيا مفروغا منه، فلا متوسطة متوفرة غيرها ليسجل فيها الطلاب، والمتخرج من الابتدائية لن يواصل في الغالب في غيرها، فالمهم أنه مع بداية العام الدراسي 1396/1397هـ كان طالبا في المرحلة المتوسطة، وابتدأ الدراسة الجادة فيها كسابقتها، ومع نفس الزملاء في المرحلة الابتدائية، ولكن كانت المدرسة مختلفة قليلا بموادها الجديدة، كاللغة الانجليزية والكثافة في مادة الرياضيات والعلوم، وفي التوسع في المواد وزيادة التفاصيل عما سبق،

وكانت المدرسة في ذلك الوقت في اوج نموها ونشاطها، مع مديرها الجديد الذي يعيش توهج شبابه وقمة حيويته، فقائدها الاستاذ الشيخ حسن بن فرح الابياتي رحمه الله، القادم حديثا إليها، وكان مدير ناجح في احدى مدارس ابها، ويحمل الكثير من الطموحات والافكار التطويرية، والمهتم ببث الوعي والثقافة في كامل المجتمع، من خلال المدرسة وادوارها المتعددة، فتعددت الانشطة والبرامج فيها، وزادت المشاركات الاجتماعية والفعاليات والاحتفالات، وفي العادة يكون طالب هذه المرحلة في بداية تفتحه الجاد على الحياة، ويتميز بالجدية والرغبة والابداع، مع ما يجدونه من تهيئة وتحفيز داخل المدرسة،

فكانت المدرسة في قمة الحيوية، وتشكل بيئة جاذبة ومحفزة للطلاب، فكان هو في كل يوم يجد جديدا، مما يزيده تشوقا وتعلقا بهذه المدرسة الرائعة، في كنف رعاية نخبة من المعلمين الفضلاء الافذاذ، الذين يذكر منهم كل من الاستاذ محمد شكري (مصري)، والاستاذ محمد عبدالعظيم (مصري) رحمهم الله جميعا، فلذلك مضت به سنواتها سريعة متعاقبة، مرت كالطيف أو الحلم الجميل الذي لا يريد أن يصحو منه، إلى أن تخرج من الكفاءة المتوسطة فيها، في نهاية العام الدراسي 1398/1399هـ.

   ما إن نجح من المرحلة المتوسطة، إلا وقد حدد مسبقا هدفه التالي، بعد أن رأى قدوات سبقوه لهذا المسلك، حيث سبقه مجموعة ممن يعرفهم إلى هذه الغاية، وكانت تلك أمنيته وحلمه الذي يراوده، ويسعى جاهدا إلى تحقيقه، ولكن كانت العقدة الوحيدة تكمن في اقناع مدير المدرسة بتسليمه شهاداته، لأنه لا يفرط في أي احد من طلابه، بل يبقيهم لديه في المدرسة، ليضمن مواصلتهم دراستهم في المرحلة الثانوية، الملحقة حديثا بالمدرسة المتوسطة، فكان اشد ما يخشاه أن يفرط احدهم بمستقبله، وتفتر همته ويكتفي بهذه المرحلة التي حققها، ويؤود مستقبله الزاهر بتركه الدراسة لأي سبب، ولذلك إذا ما تيقن ان الطالب عازم على اكمال دراسته التالية، سواء عنده أو في أي مكان آخر، أو في أي مجال ما دام هدفه الترقي في دراسته، فلا يمانع أبدا بل يسنده ويشجعه.

   بعد استلامه لشهادته، بعد تأكد المدير من حسن مقصده، انطلق مباشرة إلى أبها، هدفه الوحيد الالتحاق بمعهد اعداد المعلمين الثانوي فيها، كان برفقته زميله وجاره الغزيز يحيى بن محمد المخشمي، وزميلهما جابر بن يحيى الثويعي حفظهم الله، وتم قبولهم فكانوا من ضمن طلاب هذا المعهد، مع بداية العام الدراسي 1399/1400هـ، ولكنها في الحقيقة شكلت نقلة جديدة بالنسبة له، فلأول مرة يغادر بلدته ويبتعد عن اهله، وكانت كلها تجارب جديدة، ومكاسب وخبرات متعددة، خبرات يومية يضيفها لرصيده، وقد تهيأت له الأمور بفضل الله وتوفيقه، حيث كان السكن مع نخبة من الافاضل الكرام،

يذكر منهم جارهم الفاضل الشيخ احمد بن عبدالله العمري، والشيخ حسن بن محمد الداثري، والشيخ احمد بن سليمان ال طارش الخسافي، وكانوا حينها طلابا في فرع جامعة الامام، ومستأجرين بيتا اتخذوه عزبة لهم، برئاسة شيخ الشباب حينها الشيخ محمد بن فرحان الداثري، رحم الله من مات منهم وحفظ بحفظه الباقين، حيث اقام معهم مدة دراسته في المعهد،

وعلى مدى الثلاث السنوات المقررة، فارتاحت نفسه وتفرغ لدراسته، وتعلم من صحبتهم (كما يقول) الكثير والكثير، من ناحية تعلم الصبر على الغربة، والجد والاجتهاد، وفي التحمل وخدمة النفس، واعداد وجبات الطعام ضمن التنظيم القائم، والبساطة وعدم التبذير والاسراف في كل الامور، فكانت مكافأته من المعهد (700) ريال، تغطي جميع احتياجاته وتزيد، فنعم الصحبة ونعم الاصدقاء.

فرغ نفسه لدراسته، وجد واجتهد، واحب المواد المقررة التي يدرسونها في المعهد، التي تركز على تزويد الطالب بضروب الخبرات الثقافية والاجتماعية، والوعي التربوي الدقيق، زيادة على اصول التربية الصحيحة، وما يحتاج إليه المعلم من علم النفس، والمناهج وطرق التدريس، والثقافة الخاصة بالمجتمع، وفن الادارة والبحث، ليتم اعداده ليكون مؤهلا ثقافيا وتربويا، وتزويده بالمعلومات والخبرات، وتجعله صالحا ومؤهلا لمهنة التعليم، التي تنتظره في المرحلة الابتدائية بصفة خاصة، ولقد مضت به سنوات الدراسة المقررة، وهو يترقى في فصول هذا المعهد، إلى أن تخرج منه بحمد الله وتوفيقه، وهو يحمل شهادة التأهيل العلمي والتربوي، في نهاية العام الدراسي 1401/1402هـ.

كانت هذه الشهادة تؤهل حاملها للتدريس في المرحلة الابتدائية، وبالفعل فقد تم مباشرته معلما في مدرسة نيد الضالع الابتدائية بفيفاء، واكتسب من خلال الممارسة الفعلية للتدريس، العديد من الخبرات الاضافية المكتسبة، بعد أن أتيحت له الفرصة في تطبيق ما درسه نظريا، لينزله على الواقع شيئا محسوسا، زيادة على أنه سعى إلى تثقيف نفسه، وتنمية معلوماته، والرفع من قدراته، من خلال احتكاكه بالزملاء ذوي الخبرة، والاقتباس من الموجهين التربويين، وفي التحاقه بالعديد من الدورات المتاحة للمعلمين، في تخصصاتهم وفيما يحتاجون إليه، ولتعود بالفائدة على المدرسة وعلى الطالب، ومن هذه الدورات التي حصل عليها باختصار:

  • دورة في القيادة التعليمية.
  • دورة في الكشافة السعودية.
  • دورة في الحاسب الالي.

والعديد من البرامج المتعددة ، والمحاضرات والاجتماعات المتخصصة، والانسان بطبيعة تكوينه يترقى دوما من خلال ممارسته وجده واجتهاده.

عمله :

تعين بعد تخرجه مباشرة معلما في مدرسة نيد الضالع الابتدائية بفيفاء، وباشر فيها من تاريخ 17/11/1402هـ، ولم يغادرها طوال عمله في مجال التعليم، على مدى اكثر من واحد وثلاثين سنة ، مارس فيها كل ما يوكل إليه من اعمال ومهام ، ففي بداية مباشرته درّس مادة الرياضيات والعلوم، لأكثر من خمس سنوات، ثم اسند إليه وكالة المدرسة، من عام 1407 إلى عام 1410هـ،

وبعدها كلف بالعمل امينا للمكتبة، اضافة إلى تدريس مادة الفنية، وبعدها قام بتدريس الصفوف العليا في مواد الدين والاجتماعيات، وبعدها ولمدة اربع سنوات درس الصفوف الاولية، ليكلف بعدها مرة اخرى وكيلا للمدرسة، وبعد انتهاء تكليفه قام بتدريس مادة التربية الرياضية، التي ختم بها مشواره في هذا المجال الحيوي، ليقرر الاقدام على طلب التقاعد المبكر،

بعد احساسه الكامل بالتشبع التام في مجالات التربية والتعليم، على مدى امتداد اكثر من ثلاثين سنة، حتى لم يعد لديه شيء جديد يقدمه خلاف ما قد قدمه، ولذلك ترجل عن صهوة جواد العمل التربوي المتعب، في عام 1433هـ، جزاه الله خيرا وكتب له اجر ما قدم وبذل.

وطوال هذه المسيرة المباركة رافق العديد من الزملاء، الذين يعتز بهم جميعا، ويقدر صحبتهم وزمالتهم، وهم كثيرون على امتداد هذه السنوات الطويلة، حتى أن بعضهم قد نسيهم، وامتحت عن الذاكرة كثيرا من الذكريات الجميلة معهم، ومن هؤلاء أو غالبهم اشخاص لهم في قلبه مكانة ومنزلة عالية وخاصة، يخص بالذكر اكثرهم تأثيرا واثرا في حياته، تركوا في نفسه اثرا ايجابيا لا يمحى، يخص منهم كل من الاستاذ موسى بن محمد احمد الداثري مدير المدرسة، والاستاذ حسين بن موسى آل خفشه الابياتي، والاستاذ يحيى بن مرعي يحيى الظلمي حفظهم الله جميعا، وكل الزملاء وبارك الله فيهم.

   وكانت له العديد من المشاركات خارج واجباته الاساسية، حيث مارس العديد من الانشطة والمشاركات التي يفخر بها، ومن هذه الانشطة عمله الطويل في مجال الكشافة المدرسية، فيما يسمى (قائد كشفي)، ويعني هذا المسمى أنه المسؤول عن مجموعة من طلاب الكشافة، الذين يعملون متطوعون داخل المدرسة واحيانا في محيطها، في المساعدة في سيادة النظام بين الطلاب،

وفي تنظيم الحفلات والمناسبات المدرسية، وفي تنظيم الرحلات والزيارات الخارجية، ومن خلال ممارساته الفعلية المتعددة، تكونت لديه العديد من الخبرات في هذا المجال، حيث شاركت المدرسة بهذه الفرقة الكشفية بقيادته، في عدة معسكرات وانشطة كشفية، على مدى سنوات طويلة، وفي العادة أن المعسكرات الكشفية، تكون ملتقى تنافسيا جميلا، (يتم فيها عقد كثير من الانشطة والمسابقات الكشفية، من المسابقات الدينية والرياضية والثقافية وغيرها)،

ويذكر من هذه المعسكرات التي شاركوا فيها على سبيل المثال، معسكر عقد في نفس مدرستهم نيد الضالع، في عام 1408هـ ، وكان بقيادة المشرف الكشفي احمد الرشيد الحازمي، وحصلت فيه كشافة المدرسة حينها على المركز الاول، ثم معسكر عقد في مدرسة الخشعة الابتدائية بفيفاء، وحصلوا فيه على المركز الثاني، ويذكر من الطلاب المشاركين (خالد عبده، وموسى عبدالله اسعد، وحسين ساري)، ورافقه في هذا المعسكر كل من الاستاذ حسين بن موسى احمد آل خفشه الابياتي، والاستاذ سالم بن جابر جبران الخسافي، وكان الاخير بحكم تخصصه في التربية البدنية يرافقه في كل المعسكرات، وشاركوا كذلك في معسكر اقيم في مدرسة السّارة في بني مالك، وكان قائد هذا المعسكر الاستاذ احمد رشيد الحازمي، ومن المعلمين الاستاذ يحيى بن مفرح البيشي والاستاذ سالم بن جابر جبران الخسافي،

وحصلت المدرسة على المركز الاول، ثم  معسكر عقد في ثانوية الداير بني مالك، وحصلوا فيه ايضا على المركز الاول، وكان من ضمن الطلاب كل من (حسين ساري وخالد عبده) ومجموعة اخرى كبيرة من الطلاب، وكان في علاقاته في المدرسة، أو في الكشافة وفي كل حياته، مع زملائه ومع طلابه ومع كل الناس، سواء داخل المدرسة أو خارجها هي علاقات متوازنة، علاقة محبة واحترام وإخوة.

   لا تكون مشاركات هذه الكشافة (الاشبال) في معظمها إلا داخل المدرسة، وتكون قاصرة في الغالب على الخدمات داخلها، وقد تشارك نادرا في داخل المحافظة فقط، فلا يسمح لهم بالمشاركات الخارجية المهمة، التي تكون عادة على مستوى الوطن، من مثل المشاركة في موسم الحج وغيره، وذلك لحداثة اسنانهم في هذه المرحلة الابتدائية، فهم يعتبرون من فئة الاشبال (بمسمى اشبال نيد الضالع)، ويتميز شبل الكشافة بالكثير من الميزات، ويتم اعداده للمستقبل مع نموه العمري والجسدي،

واكثر ما يميزهم الانضباط وحسن الاخلاق، ولهم تحية رمزية يختصون بها، تتمثل في رفع كف يده اليمنى قبال جبينه الايمن، محلقا اصبعه (الابهام) مع الاصبع الصغيرة (الخنصر)، ويفرد اصابعه الثلاث (البنصر والوسطى والسباحة) بينهما، وهي تدل على الواجبات الثلاث(الله ثم المليك والوطن)، والكشافة مفيدة للمنتسب إليها كما اشرنا، في تنمية حب المبادرة، والانتظام وحب العمل الجماعي.

   وله عدة هوايات يمارسها في اوقات فراغه، مما اقتبسه من ايام الطلب، وفي اثناء عمله في المدرسة، وفي مشاركاته في الكشافة، ومن هذه الهوايات المحببة إليه، هوايات غالبها رياضية، ومنها لعبة كرة الطائرة، ولعبة كرة القدم، ورياضة المشي، ومازال يمارسها بشغف وبالذات رياضة المشي وكرة القدم.

واسندت إليه مهام اثناء عمله في المدرسة، فيما يسمى منها بالمسؤول الاجتماعي، لما تتميز به شخصيته من طبيعة نموذجية مناسبة، لمثل هذا الدور المهم والضروري، والذي يهدف إلى ايجاد الحلول السريعة والجذرية المناسبة، للمشاكل التي قد يتعرض لها الطالب، وتؤثر على سير دراسته، أو على شخصيته وتكوين نفسيته، ويتم ذلك بعدة طرق واساليب،

تبدأ بالتواصل الأولي مع الطلاب نفسه، ثم مع ولي أمره، والسعي إلى ايجاد الحلول المناسبة لوضعه، سواء ما كان منها بسبب وضعه داخل المدرسة، أو بأمر يتعلق بأوضاعه في البيت، ويكون لها مردود سلبي يوثر على تحصيله، ومن ذلك المشاكل الاسرية الاستثنائية، مما تتسبب في اهماله في واجباته ومذاكرته، فلا يستطيع التركيز، أو أنها تشغله فلا تسمح له بالتفرغ للدراسة، وبعد التعرف على الاسباب وظروف الاسرة وحالتهم المادية، فيتم على ضوئها محاولة تقديم الحلول، وحتى بذل المساعدات العينية، ويتم كل ذلك في جو من السرية التامة، حتى لا يعرف عنها بقية الطلاب، مما قد يسبب للطالب الكثير من الاحراج، وكلها انشطة ثانوية مهمة في البيئة المدرسية، تقوم بها هذه المدرسة احتسابا، بناء على احساس القائمين عليها بمسؤولياتهم الاجتماعية.

وقد حصل من خلال مسيرته الطويلة، على العديد من الدروع وشهادات التقدير، التي يفخر بها كثيرا، سواء من داخل المدرسة، أو من المجتمع، أو من ادارة التعليم، ومن ذلك :

  1. درع قدم له من اقاربه واخوانه.
  2. درع من مكتب التعليم بمحافظة فيفاء.
  3. درع من زميله ورفيق دربه الاستاذ يحي بن محمد المخشمي حفظه الله.
  4. درع من مدرسة الفرحة الابتدائية بفيفاء.
  5. شهادة شكر وتقدير من ادارة التعليم بصبيا للقيادة الكشفية.
  6. شهادة شكر من مكتب تعليم فيفاء.
  7. شهادة شكر من ادارة مدرسة نيد الضالع الابتدائية.
  8. شهادات متعددة من الزملاء، والطلاب القدماء، والاقارب، بمناسبة تقاعده.

الحالة الاجتماعية:

تزوج في عام 1402هـ من الفاضلة عافية بنت يحي مفرح العمري الفيفي، ربة بيت فاضلة، ومربية حازمة، شاركته في كل ادوار حياته، وساندته وعاضدته على مدى حياتهما الزوجية وإلى اليوم، وقد رزقا بثمانية اولاد، اربعة ابناء واربع بنات، وهم على النحو التالي :

  1. عبدالله تعليم ثانوي ويعمل في مستشفى فيفاء العام.
  2. جمال كلية التقنية ويعمل في التحلية بالشقيق.
  3. يوسف معلم في محافظة العارضة.
  4. عبدالرزاق جامعي ويعمل في بنك الراجحي.
  5. منيرة تعليم ثانوي.
  6. حنان جامعية.
  7. جميلة جامعية.
  8. شذا دبلوم ادارة اعمال.

حفظهم الله ووفقهم وبارك فيهم، وحفظه الله ووفقه وزاده رفعة وعلما وتوفيقا.

                     والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

                                         محبكم/ عبدالله بن علي قاسم آل طارش الفيفي ـ أبو جمال

الاستاذ :محمد بن سلمان يحيى العمري الفيفي

 الرياض 1445/9/25هـ

المقالات

‫4 تعليقات

  1. أنعم وأكرم بالمعلم القدير والمربي الفاضل أبو عبدالله
    خرج أجيال كثيرة ولازالوا يتواصلون معه ويدعون له ويذكرونه بالخير نسأل الله أن يجزيه خير الجزاء على كل ما بذله وقدمه لخدمة دينه ومجتمعه ووطنه وأن يمتعه بالصحة والعافية ويطيل عمره على طاعته.

  2. السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
    ترددت كثيرا في هذا الرد لأن القامة عظيمة وهامة شامخة والاستاذ محمد لم يكن لنا كطلاب بمدرسته معلما فحسب بل كان يتقلد عدة أدورار وعدة شخصيات ففي وقت الدراسة كان معلما مخلصا جادا ولكن بإسلوب تربوي يتقمص فيه حرص الوالد على ولده وعند الانشطة الفنية او الرياضية كان يتقمص دور الصديق والخل الوفي حفظه الله ورعاه وجزاه الله عنا خير الجزاء ومتعه بالصحة والعافية ورحم الله والده الشيخ سلمان الذي كان إمام المدرسة في صلاة الظهر وصلاة الاستسقاء ورحم الله الشيخ مرعي العمري فقد كانا لا يكادان يفترقان نسأل الله لهما الرحمة وان يكون متجاورين في الفردوس الاعلى من الجنة

  3. أنعم وأكرم بالاستاذ والمربي الخلوق ابو عبدالله
    من أفضل المعلمين الذين درسنا وتعلمنا على ايديهم ويكفي انه كان يدافع عنا من غضب بعض المعلمين حينها
    مواقفه كثيرة مع الطلبه وكل من درس عنده احبوه وذكروه بأجمل العبارات الجميله
    حفظك الله ابو عبدالله وأطال الله في عمرك

  4. كان استاذا وأبا وأخا وما زال، نعم الرجل تعلمنا منه الكثير، علمنا الادب والأخلاق…
    ايام الابتدائية في مدرسة نيد الضالع بقيادة استاذنا الفاضل موسى محمد المخشمي والأستاذ الفاضل محمد بن سلمان العمري حفظهما الله هي ايام لا تنسى، لهم الفضل بعد الله في تنشئة أجيال واجيال، نسأل الله أن يكتب لهم الأجر والثواب ويجزيهم خير الجزاء ويمدهم بالصحة والعافية.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى